الشوكاني
100
فتح القدير
آمن بهم فغلب الرسل على أتباعهم ( فأوحى إليهم ربهم ) أي إلى الرسل ( لنهلكن الظالمين ) أي قال لهم : لنهلكن الظالمين ( ولنسكننكم الأرض ) أي أرض هؤلاء الكفار الذين توعدوكم بما توعدوا من الإخراج أو العود ، ومثل هذه الآية قوله سبحانه - وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها - ، وقال - وأورثكم أرضهم وديارهم - . وقرئ ليهلكن وليسكننكم بالتحتية في الفعلين اعتبارا بقوله فأوحى ، والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى ما تقدم من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين في مساكنهم ( لمن خاف مقامي ) أي موقفي ، وذلك يوم الحساب ، فإنه موقف الله سبحانه ، والمقام بفتح الميم مكان الإقامة ، وبالضم فعل الإقامة : وقيل إن المقام هنا مصدر بمعنى القيام : أي لمن خاف قيامي عليه ومراقبتي له كقوله تعالى - أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت - وقال الأخفش : ذلك لمن خاف مقامي : أي عذابي ( وخاف وعيد ) أي خاف وعيدي بالعذاب ، وقيل بالقرآن وزواجره ، وقيل هو نفس العذاب ، والوعيد الاسم من الوعد ( واستفتحوا ) معطوف على أوحى ، والمعنى : أنهم استنصروا بالله على أعدائهم ، أو سألوا الله القضاء بينهم ، من الفتاحة وهى الحكومة ، ومن المعنى الأول قوله - إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح - أي إن تستنصروا فقد جاءكم النصر ، ومن المعنى الثاني قوله - ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق - أي احكم ، والضمير في استفتحوا للرسل ، وقيل للكفار ، وقيل للفريقين ( وخاب كل جبار عنيد ) الجبار المتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقا ، هكذا حكاه النحاس عن أهل اللغة ، والعنيد المعاند للحق والمجانب له ، وهو مأخوذ من العند ، وهو الناحية أي أخذ في ناحية معرضا . قال الشاعر : إذا نزلت فاجعلوني وسطا * إني كبير لا أطيق العندا قال الزجاج : العنيد الذي يعدل عن القصد ، وبمثله قال الهروي . وقال أبو عبيد : هو الذي عند وبغى ، وقال بن كيسان : هو الشامخ بأنفه ، وقيل المراد به العاصي ، وقيل الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله ، ومعنى الآية : أنه خسر وهلك من كان متصفا بهذه الصفة ( من ورائه جهنم ) أي من بعده جهنم ، والمراد بعد هلاكه على أن وراء ها هنا بمعنى بعد ، ومنه قول النابغة : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وليس وراء الله للمرء مذهب أي ليس بعد الله ، ومثله قوله ( ومن ورائه عذاب غليظ ) أي من بعده . كذا قال الفراء ، وقيل من ورائه : أي من أمامه . قال أبو عبيد : هو من أسماء الأضداد ، لأن أحدهما ينقلب إلى الآخر ، ومنه قول الشاعر : ومن ورائك يوم أنت بالغه * لا حاضر معجز عنه ولا بادي وقال آخر : أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي * وقومي تميم والفلاة ورائيا أي أمامي ، ومنه قوله تعالى - وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا - أي أمامهم ، وبقول أبي عبيدة هذا قال قطرب . وقال الأخفش : هو كما يقال : هذا الأمر من ورائك : أي سوف يأتيك ، وأنا من وراء فلان أي في طلبه . وقال النحاس : من ورائه : أي من أمامه ، وليس من الأضداد ، ولكنه من توارى : أي استتر فصارت جهنم من ورائه ، لأنها لا ترى ، وحكى مثله ابن الأنباري ( ويسقى من ماء صديد ) معطوف على مقدر جوابا عن سؤال سائل ، كأنه قيل فماذا يكون إذن ؟ قيل يلقي فيها ويسقى ، والصديد ما يسيل من جلود أهل النار واشتقاقه من الصد . لأنه يصد الناظرين عن رؤيته ، وهو دم مختلط بقيح ، والصديد صفة لماء ، وقيل عطف بيان منه ( ويتجرعه في محل على أنه صفة لماء . أو في محل نصب على أنه حال ، وقيل هو استئناف مبني على سؤال ، والتجرع التحسي : أي يتحساه مرة بعد مرة لا مرة واحدة لمرارته وحرارته ( ولا يكاد يسيغه ) أي